وأي مبالغة هي تلك خضناها أو سيخوضها أي مراقب يرى بأم العين الأركان الحوارية في منتدياتنا وقد تحولت الى حلبات لا تخلو من صولات ولا جولات، من معارك ومشاحنات تفتقد لأي وازع ديني أو أخلاقي فضلاً عن كونه إنساني على اقل تقدير؟

إن أي تبرير لهذه الحالة المحتمدة يرد أسبابها الى الواقع السياسي أو الثقافي أو الاقتصادي لمجتمعاتنا هو بمثابة اغتيال لكل قيم الحوار التي أرساها الاسلام في قلوب اهله، والتي من المفترض انها أقوى من أي عوامل ضارة قد تؤثر على المحتوى الأدبي والأخلاقي الذي يتخلل أي حوار.
كما أن أي تبرير يعتذر لهذه الحالة نفسها بسجية العقلية العربية النخية والتي ترفض "الهزيمة" ليس الا هروب من الحقيقة على اعتبار انها أمر واقع يفوق طاقة المحاور العربي ويطغى على سجيته تلك. بل ان طاقة المحاوِر المستمدة من دوافعه ومن منهجه في التعامل يجب ان تكون أقوى من أي مؤثرات خارجية ، سواء كانت متعلقة بطبع الانسان أو بواقع مجتمعه، ويجب أن تكون أيضاً مهيمنة على نزواته وعواطفه.
ثم ان فهمنا للحوار على أنه "معركة" هو الذي زج بمفهوم "الهزيمة" في حواراتنا والتي طالما كرهناها نحن كعرب وحاربناها بكل وسائلنا المتوفرة. فاعتبرنا بذلك ، بطريقة أو بأخرى، أن "الكيبورد" هو خيلنا الأدهم و"الماوس" هو سيف الوغى، و"اعتماد المشاركة" انما هو مناورة ثمّ ضربة استراتيجية في عنق المحاور العدو!

أيها الزملاء الكرام،إن ثلاثية " الوعي والموضوعية والحس بالمسؤولية " التي من شأنها ان ترقى بأي حوار الى منزلة الموضوعية، هي الباب الواسع التي لا بد لنا ج ميعا من دخول قنطرته والتفيئ بها. لأنها، حتى لو افتقدت لأي مقومات هيكلية أو ادبية لشكل للحوار، لها أن تؤسس لنقاش حضاري يحقق أهدافه المرجوّة بكل سلاسة وأمانة واخلاص ولها أن تتخطى أي معوقات تؤثر على هذا الهدف.
أما الحديث عن (المقومات الهيكلية والأدبية) فهو طويل، ولنا أن نذكر بعض تلك المقومات التي لا بد لكل محاور أن يمتلكها في عقله وقلبه أيما متلاك، علماً أنها أشياء ثانوية اذا ما قوبلت بالوعي والموضوعية والحس بالمسؤولية الذي تحدثنا عنه .
أولاً، معرفة الهدف من الحوار وبالتالي ما هي أماكن الاختلاف في الرأي والتركيز عليها والمرور عليها بشكل متدرج دون أي تشتيت. ثانياً، عدم وجود أي خلفية تتعلق بالمُحاور تتعدى مَحارور النقاش ،فضلاً عن احترامه واحترام أفكاره. ثالثاًَ، تعمّد تنظيم هذه الأفكار بطريقة مكتوبة ومرتبة.رابعاً، التزام مبدأ "تكافؤ الفرص" في الأخذ والرد بين المتحاورين بشكل سلمي. خامساً، وجود نية فضلاً عن العمل على عرض الرأي بطريقة واضحة وسلسة. سادساً،القناعة بأي نتيجة والرضى بها بصدر رحب وأسلوب حضاري.سابعاً، نبذ العصبية بكل أشكالها، واقناع الذات بأننا في حوار فكري وليس حلبة مصارعة.
وكما أسلفنا ان هذه انما هي نقاط ثانوية ما إن وُجد الوازع الاسلامي والأخلاقي واذا ما كان أطراف الحوار على دراية بطبيعة حوارهم وسبب وأهداف وجوده.
وأخيراً أيها الاخوة والأخوات الكرام، أود أن أركز على نقطة مهمة واختم بها هذا المقال راجين بذلك مستقبل أكثر حضارة ورقي وتطور بإذن الله لمنتدياتنا العربية كافة، سواء من ناحية الحوار أو من أي ناحية أخرى. قال الله تعالى : { وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } (سورة الأعراف: الآية رقم 200)
منقول