من الخير الشامل أن نصدر هذا البحث بالآية المباركة (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم) (19).
هذه الآية الكريمة تعطي دورساً بالغة ووصايا إلى الجيل الجديد، وتدعوه للالتفات إلى الوراء قليلاً، ليذكر فضل من تكفلت فطرتهم برعايته والاهتمام به، إن الوالدين ليبذلان لوليدهما من أجسامهما وأعمارهما، ومن كل ما يملكان دون بخل بما يبذلان، لأن قلوبهما مجبولة على حب الأبناء ورعاية زينة الحياة الدنيا، ومن هنا كانت الوصية للأبناء برعاية الوالدين وحفظ حقوقهما، وحق الوالدين يتمثل بحق الأم، وحق الأب.
أ- حق الأم: إن وصايا الكتب السماوية، والأحاديث والروايات المتواترة جميعاً تصور تلك التضحية النبيلة الواهبة التي تتقدم بها الأم، تلك البذرة التي تغدو قشراً خالياً لتنمو منها النبتة الخضراء وتكبر، ولا يجازيها أبداً إحسان من الولد مهما أحسن في القيام بأداء حقها. قال الإمام زين العابدين (عليه السلام): (فحق أمك أن تعلم أنها حملتك حيث لا يحمل أحد أحداً وأطعمتك من ثمرة قلبها ما لا يطعم أحد أحداً، وأنها وقتك بسمعها وبصرها ويدها ورجلها وشعرها وبشرها وجميع جوارحها مستبشرة فرحة، محتملة لما فيه مكروهها وألمها وثقلها وغمها، حتى دفعتها عنك يد القدرة وأخرجتك إلى الأرض. فرضيت أن تشبع وتجوع هي، وتكسوك وتعرى، وترويك وتظمى، وتظلك وتضحى، وتنعمك ببؤسها وتلذذك بالنوم بأرقها، وكان بطنها لك وعاء وحجرها لك حواء، وثديها لك سقاء، ونفسها لك وقاء، تباشر حر الدنيا وبردها لك ودونك، فتشكرها على قدر ذلك، ولا تقدر عليه إلاّ بعون الله وتوفيقه).
بهذه العبارات المضيئة والتعابير الدقيقة، يستثير الإمام زين العابدين(عليه السلام) الضمير والرحمة في قلب الإنسان تجاه من (حملته كرهاً ووضعته كرهاً) (20)، وتذكره بالمشاق العظيمة التي تحملتها الأم في سبيل فلذة كبدها، لذلك قال الرسول الأعظم(صلى الله عليه واله وسلم): (حق الوالد أن تطيعه ما عاش، وأما حق الوالدة فهيهات هيهات.. لو أنه عدد رمل عالج وقطر المطر أيام الدنيا قام بين يديها ما عدل ذلك يوم حملته في بطنها) (21)، لأن الأم بطبيعة الحال، تتحمل النصيب الأوفر من العناية والرعاية لولدها لما تجود به من حنان وعطف بلا حدود، فنتيجة لتلك التضحيات اللامتناهية كان للأم حقها العظيم على الأبناء. وبخاصة إذا كانت طيبة ومؤمنة، لتأثيرها البالغ في جنينها، فتجعل منه إنساناً سوياً ومستقيماً، وحتى أثناء الرضاع تسري أخلاق الأم إليه. قال تبارك وتعالى: (وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً) (22)، ومهما قلنا ومهما نقدم من توصيات في حقوق الأم، تتضاءل العبارات، وتعجز الكلمات أمام الواجب تجاه صانعة الأجيال على مر العصور.
ب- حق الأب: ليس في الكون عند الآباء أغلى وأثمن من بر أولادهم بهم، على الرغم من كونه وفاء لبعض ما لهم من ديون، وسعادتهم بأداء الحق إليهم، كسعادة العالم باكتشاف اختراع ضخم. قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): (إن للولد على الوالد حقاً؛ وإن للوالد على الولد حقاً؛ فحق الوالد على الولد أن يطيعه في كل شيء إلاّ في معصية الله سبحانه، وحق الولد على الوالد أن يحسن اسمه، ويحسن أدبه، ويعلمه القرآن) (23)، وقال الإمام السجاد (عليه السلام): (وحق أبيك أن تعلم أنه أصلك وأنه لولاه لم تكن، فمهما رأيت في نفسك ما يعجبك فاعلم أن أباك أصل النعمة عليك فيه، فاحمد الله واشكره على قدر ذلك ولا قوة إلاّ بالله).
إن الأوامر في الاسم والحقوق إنما تنبثق من نبع واحد وترتكز على ركيزة واحدة، ألا وهي نبع العقيدة في الخالق عز وجل، ومن تلك العقيدة الراسخة تنبع كل التصوّرات الأساسية للعلاقات الكونية والحيوية والإنسانية التي تقوم عليها التشريعات الاجتماعية والقانونية، وهذه السمة تتضح في منهج آية الإحسان (وقضى ربك ألا تعبدوا إلاّ إياه وبالوالدين إحساناً) (24).
إن دور الأب لا يمكن إلغاؤه، لإسهامه في مجال صياغة الابن، وبالذات إذا كان الأب عملاقاً في الصفات الطيبة، وقوياً في شخصيته، فإذا تجذرت في الأب الخصال النبيلة، وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من كيانه، فالنتيجة تكون انتقال هذه الصفات إلى الأبناء بقوة. حتى تقضي تماماً على نقاط الضعف الموجودة فيهم. ومن هنا حتى لو كانت الأم على قدر من الذكاء والفطنة وكرم الأخلاق فإنها لا تستطيع إحياء نقاط القوة التي أماتها الأب(25)، إلاّ إذا كانت تتمتع بخصال وراثية متميزة، ومتزينة بالشخصية القوية والفذة.
وبذلك كان أداء حق الوالد جزءاً بسيطاً من رد الجميل، وفي هذا قال الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) لبعض بنيه: (يا بني إن الله رضيني لك ولم يرضك لي فأوصاك بي ولم يوصني بك، عليك بالبر فإنه تحفة كبيرة) (26).
إن الولد بضعة من أبيه؛ يرث أخلاقه كما يرث صفاته الجسدية والعقلية، إضافة إلى إحاطته بشعور العزة والحماية والصيانة له من والده، والذود عنه. وفوق ذلك كله، يشرف الابن بشرف أبيه، وما إلى ذلك من نعم الوالد التي لا يعين على أداء حقها إلاّ الخالق، ومن الذي يقرأ دعاء الإمام السجاد (عليه السلام) ولا يهتز من أعماقه انتباهاً لحق والديه حيث يقول: (اللهم اجعلني أهابهما هيبة السلطان العسوف، وأبرّهما برّ الأم الرؤوف، واجعل طاعتي وبرّي بهما أقرّ لعيني من رقدة الوسنان، وأثلج لصدري من شربة الظمآن حتى أؤثر على هواي هواهما، وأقدم على رضاي رضاهما، واستكثر برّهما بي وإن قلّ، واستقل برّي بهما وإن كثر) (27).
هذه الآية الكريمة تعطي دورساً بالغة ووصايا إلى الجيل الجديد، وتدعوه للالتفات إلى الوراء قليلاً، ليذكر فضل من تكفلت فطرتهم برعايته والاهتمام به، إن الوالدين ليبذلان لوليدهما من أجسامهما وأعمارهما، ومن كل ما يملكان دون بخل بما يبذلان، لأن قلوبهما مجبولة على حب الأبناء ورعاية زينة الحياة الدنيا، ومن هنا كانت الوصية للأبناء برعاية الوالدين وحفظ حقوقهما، وحق الوالدين يتمثل بحق الأم، وحق الأب.
أ- حق الأم: إن وصايا الكتب السماوية، والأحاديث والروايات المتواترة جميعاً تصور تلك التضحية النبيلة الواهبة التي تتقدم بها الأم، تلك البذرة التي تغدو قشراً خالياً لتنمو منها النبتة الخضراء وتكبر، ولا يجازيها أبداً إحسان من الولد مهما أحسن في القيام بأداء حقها. قال الإمام زين العابدين (عليه السلام): (فحق أمك أن تعلم أنها حملتك حيث لا يحمل أحد أحداً وأطعمتك من ثمرة قلبها ما لا يطعم أحد أحداً، وأنها وقتك بسمعها وبصرها ويدها ورجلها وشعرها وبشرها وجميع جوارحها مستبشرة فرحة، محتملة لما فيه مكروهها وألمها وثقلها وغمها، حتى دفعتها عنك يد القدرة وأخرجتك إلى الأرض. فرضيت أن تشبع وتجوع هي، وتكسوك وتعرى، وترويك وتظمى، وتظلك وتضحى، وتنعمك ببؤسها وتلذذك بالنوم بأرقها، وكان بطنها لك وعاء وحجرها لك حواء، وثديها لك سقاء، ونفسها لك وقاء، تباشر حر الدنيا وبردها لك ودونك، فتشكرها على قدر ذلك، ولا تقدر عليه إلاّ بعون الله وتوفيقه).
بهذه العبارات المضيئة والتعابير الدقيقة، يستثير الإمام زين العابدين(عليه السلام) الضمير والرحمة في قلب الإنسان تجاه من (حملته كرهاً ووضعته كرهاً) (20)، وتذكره بالمشاق العظيمة التي تحملتها الأم في سبيل فلذة كبدها، لذلك قال الرسول الأعظم(صلى الله عليه واله وسلم): (حق الوالد أن تطيعه ما عاش، وأما حق الوالدة فهيهات هيهات.. لو أنه عدد رمل عالج وقطر المطر أيام الدنيا قام بين يديها ما عدل ذلك يوم حملته في بطنها) (21)، لأن الأم بطبيعة الحال، تتحمل النصيب الأوفر من العناية والرعاية لولدها لما تجود به من حنان وعطف بلا حدود، فنتيجة لتلك التضحيات اللامتناهية كان للأم حقها العظيم على الأبناء. وبخاصة إذا كانت طيبة ومؤمنة، لتأثيرها البالغ في جنينها، فتجعل منه إنساناً سوياً ومستقيماً، وحتى أثناء الرضاع تسري أخلاق الأم إليه. قال تبارك وتعالى: (وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً) (22)، ومهما قلنا ومهما نقدم من توصيات في حقوق الأم، تتضاءل العبارات، وتعجز الكلمات أمام الواجب تجاه صانعة الأجيال على مر العصور.
ب- حق الأب: ليس في الكون عند الآباء أغلى وأثمن من بر أولادهم بهم، على الرغم من كونه وفاء لبعض ما لهم من ديون، وسعادتهم بأداء الحق إليهم، كسعادة العالم باكتشاف اختراع ضخم. قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): (إن للولد على الوالد حقاً؛ وإن للوالد على الولد حقاً؛ فحق الوالد على الولد أن يطيعه في كل شيء إلاّ في معصية الله سبحانه، وحق الولد على الوالد أن يحسن اسمه، ويحسن أدبه، ويعلمه القرآن) (23)، وقال الإمام السجاد (عليه السلام): (وحق أبيك أن تعلم أنه أصلك وأنه لولاه لم تكن، فمهما رأيت في نفسك ما يعجبك فاعلم أن أباك أصل النعمة عليك فيه، فاحمد الله واشكره على قدر ذلك ولا قوة إلاّ بالله).
إن الأوامر في الاسم والحقوق إنما تنبثق من نبع واحد وترتكز على ركيزة واحدة، ألا وهي نبع العقيدة في الخالق عز وجل، ومن تلك العقيدة الراسخة تنبع كل التصوّرات الأساسية للعلاقات الكونية والحيوية والإنسانية التي تقوم عليها التشريعات الاجتماعية والقانونية، وهذه السمة تتضح في منهج آية الإحسان (وقضى ربك ألا تعبدوا إلاّ إياه وبالوالدين إحساناً) (24).
إن دور الأب لا يمكن إلغاؤه، لإسهامه في مجال صياغة الابن، وبالذات إذا كان الأب عملاقاً في الصفات الطيبة، وقوياً في شخصيته، فإذا تجذرت في الأب الخصال النبيلة، وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من كيانه، فالنتيجة تكون انتقال هذه الصفات إلى الأبناء بقوة. حتى تقضي تماماً على نقاط الضعف الموجودة فيهم. ومن هنا حتى لو كانت الأم على قدر من الذكاء والفطنة وكرم الأخلاق فإنها لا تستطيع إحياء نقاط القوة التي أماتها الأب(25)، إلاّ إذا كانت تتمتع بخصال وراثية متميزة، ومتزينة بالشخصية القوية والفذة.
وبذلك كان أداء حق الوالد جزءاً بسيطاً من رد الجميل، وفي هذا قال الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) لبعض بنيه: (يا بني إن الله رضيني لك ولم يرضك لي فأوصاك بي ولم يوصني بك، عليك بالبر فإنه تحفة كبيرة) (26).
إن الولد بضعة من أبيه؛ يرث أخلاقه كما يرث صفاته الجسدية والعقلية، إضافة إلى إحاطته بشعور العزة والحماية والصيانة له من والده، والذود عنه. وفوق ذلك كله، يشرف الابن بشرف أبيه، وما إلى ذلك من نعم الوالد التي لا يعين على أداء حقها إلاّ الخالق، ومن الذي يقرأ دعاء الإمام السجاد (عليه السلام) ولا يهتز من أعماقه انتباهاً لحق والديه حيث يقول: (اللهم اجعلني أهابهما هيبة السلطان العسوف، وأبرّهما برّ الأم الرؤوف، واجعل طاعتي وبرّي بهما أقرّ لعيني من رقدة الوسنان، وأثلج لصدري من شربة الظمآن حتى أؤثر على هواي هواهما، وأقدم على رضاي رضاهما، واستكثر برّهما بي وإن قلّ، واستقل برّي بهما وإن كثر) (27).