الحجّ ... الاجتماع الرائع
الكعبة حجر يتحوّل ، في الوعي إلى معراج للروح . والبيت بيت للعبادة والتسليم والتعظيم ، فيه الأمن والأمان و إليه شرّع سبحانه الحج :
o إنّ أوّلَ بيتٍ وُضِعَ للنّاسِ لَلّذي بِبَكّةَ مباركاً و هُدىً للعالمينَ * فيهِ آياتٌ بيّناتٌ مقامُ إبراهيمَ ، و منْ دَخَلَهُ كانَ آمناً ، وللهِ على النّاسِ حِجُّ البيتِ مَنِ استطاعَ إليه سَبيلاً .
o و إذْ جعلْنا البيتَ مثابةً للنّاسِ و أمناً ، واتّخِذوا منْ مَقامِ إبراهيمَ مُصلّى ، و عَهِدْنا إلى إبراهيمَ و إسماعيلَ أنْ طهِّرا بيتَيَ للطّائفين والعاكِفينَ والرُّكّعِ السُّجود .
o وإذْ بوّأنا لإبراهيمَ مكانَ البيتِ أنْ لا تُشركْ بي شيئاً، وطهِّرْ بيتيَ للطّائفين والقائمين والرُّكَّعِ السُّجود .
o و أذّنْ في النّاسِ بالحَجِّ يأتوكَ رجالاً و على كلِّ ضامرٍ، يأتينَ منْ كلِّ فجٍّ عميق * ليشهدوا منافعَ لهمْ و يذكروا اسمَ اللهِ في أيّام معلوماتٍ على ما رزقَهمْ من بَهيمةِ الأنعام ، فكُلُوا منها و أطعموا البائسَ الفقير * ثُمّ لْيقضوا تَفَثَهُمْ ، ولْيُوفوا نذورَهمْ ، وَلْيطَّوّفوا بالبيتِ العتيق * ذلكَ و مَنْ يُعظّمْ حُرماتِ الله فهوَ خيرٌ لهُ عِندَ ربِّهِ ، و أُحِلّت لكمُ الأنعامُ ، إلاّ ما يُتلى عليكمْ ، فاجتنِبُوا الرّجسَ من الأوثانِ ، واجتنبوا قولَ الزُّور .
o جَعَلَ اللهُ الكعبةَ البيتَ الحرامَ قياماً للنّاسِ والشّهرَ الحرامَ والهدْيَ والقلائدَ ، ذلك لتعلموا أنّ اللهَ يعلمُ ما في السّماواتِ و ما في الأرضِ و أنّ اللهَ بكلِّ شيءٍ عليم .
يعلّمنا القرآن
و مما نتعلّمه من هذه الآيات الشريفة :
1 ـ أنّ الربّ سبحانه هو الذي دلّ نبيه إبراهيم عليه السّلام على مكان البيت ، حين أمره بإنزال إسماعيل و أمّه عنده ، في هجرتهما القديمة . و كان آدم عليه السّلام قد وضع مِن قبل ، قواعدَ بيت الله بأمر من الله عزّ و جلّ .
2 ـ شرع إبراهيم و إسماعيل برفع القواعد والأسس القديمة و إعلائها ، حتّى استوت بُنية حجرية مكتملة . و كان الرجلان ـ و هما يزاولان العمل البنائي العظيم ـ يشعران بضآلتهما إزاء عظمة الله تعالى ، و يتطامنان رهبةً و رغبةً و خشوعاً ، و يمتلئان مناجاة و دعاة :
o ربّنا تقبّلْ منّا إنّكَ أنتَ السميعُ العليم .
3 ـ الكعبة أساس راسخ لعقيدة التوحيد ، و مركز إشعاع لهذه العقيدة ، و منجاة من أشراك الوثنية والضلالة والجهالة ، ففي علاقة الموحّد بالكعبة تتجلّى مظاهر وحدانية الله في الطاعة والعبادة، وحدة في الغاية ، و وحدة في الطريق إلى الغاية :
o و إذْ بوّأنا لإِبراهيمَ مكانَ البيتِ أنْ لا تشركْ بي شيئاً .
4 ـ والكعبة ، بهذا المعنى الايماني العظيم أوّل بنية شهدتها البشرية ، أُنشئت لهذا الهدف ، و أوّل بيت وُضع للنّاس من أجل العبادة ، فقصدُ زيارته والحج إليه تزكيةٌ للنفس ، و تطهير للقلب ، و هو درب يهدي إلى الصراط المستقيم ، و يغترف المرء من حجّه و قصد زيارته عظيمَ الأجر والثواب :
o و إذْْ جعلْنا البيتَ مَثابةً للنّاس .
سأل رجل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام عن البيت الحرام:
ـ أهو أوّل بيتٍ ؟
قال : ـ ( لا، قد كان قبله بيوت ، و لكنه أوّل بيت وضع للناس مباركاً ، فيه الهدى والرحمة والبركة ) .
و قال عليه السّلام أيضاً :
[ كانت البيوت قبله، و لكنه كان أوّل بيت وضع لعبادة الله ] .
5 ـ و من ملامح الاقتداء بإبراهيم عليه السّلام والائتمام به و هو يخطوأمامنا في الطريق إلى الله ، أن أمرنا ربّنا سبحانه أن نتخذ من مقام خليله إبراهيم ـ إذ كان يبني الكعبة ـ مصلّى لنا ، نتوجّه فيه بالطاعة والذكر والشكر ، فنشعر بجهود الخليل عليه السّلام إذ كان يتعب و ينصب ، فنكشر الله أن هيّأ لنا رجلاً نأتم به كإبراهيم . و ربّما أراد ربّنا تبارك و تعالى أن يزيد من منزلة إبراهيم عنده و من ثوابه لديه ، بما يناله من الأجر في كلّ صلاة يصلّيها مصلّ في مقام إبراهيم . و في الحديث عن الرسول الكريم صلّى الله عليه و آله و سلّم و هو يقرّر هذه الفكرة العامّة :
[ مَنْ سنَّ سنَّةً حسنةً فلهُ أجرها و أجر من عملَ بها إلى يومِ القيامة ] .
6 ـ واستأهل بيت الله عزّ و جلّ لما له من دلالات إيمانية عميقة ، و رموز روحية شاخصة ، و من أثر في توحيد وجهة الموحدين ، حرمةً خاصة ، واحتراماً يناسب وظيفته و يلائم مهمته :
o جعلَ اللهُ الكعبةَ البيتَ الحرامَ قياماً للناس .
فالبيت له في النفوس تعظيم و قداسة ، و جعل الله سبحانه من الناحية الزمنية أشهراً حُرماً ، و وصل بين حرمة المكان و حرمة الزمان بصلة وثيقة ، كالحج في شهر ذي الحجّة الحرام ، و شرّع قضايا تناسب الحرمة كالهَدْي والقلائد .
و تتعدّد مصاديق احترام البيت الحرام و تعظيمه فيما نفعله من التوجّه في الصلوات شطر الكعبة المشرّفة، و فيما نصنعه من توجيه الذّبائح و توجيه الأموات وجهة البيت الحرام ، و كذلك فيما نتجنّب فيه استقبال القبلة واستدبارها من سيّئ حالاتنا ، و فيما يخدش توقيرنا و تكريمنا لهذه البقعة المطهّرة الكريمة .
7 ـ و يرتبط بتعظيم البيت و توقيره واحترامه ما يشيع فيه من أمن تشريعي و من سلامة الانسان فيه و طمأنينته على دمه و عرضه و ماله :
o و إذْ جعلْنا البيتَ مثابةً للنّاسِ و أمنا .
o إنّ أوّلَ بيتٍ وُضعَ للنّاسِ لَلذي ببكّةَ مباركاً و هُدىً للعالمين * فيه آياتٌ بيّناتٌ مقامُ إبراهيمَ ، و مَنْ دخلهُ كانَ آمنا .
إنّ المرء ليشعر ـ و هو يعيش حالة الاحترام و حالة الأمن في البيت الحرام ـ بمعان من الجلال و من الطمأنينة الشاملة ، و يحس أنّ بيت الله تبارك و تعالى ملاذ الطريد ، و ملجأ الشريد ، و حصن المضطهَد ، و أمان الخائف ، و هناءة المرعوب ، فهنا في بيت الله ينبع السلام الدائم ، و هنا في بيت الله يتحدّر الجلال الدائم .
8 ـ و إذ يفرغ إبراهيم عليه السّلام هو وابنه إسماعيل من إقامة الكعبة الشريفة ، يبدأ التكليف الإلهي للناس أن يقصدوا بيت الله و يشدّوا الرحال إلى حجّه و زيارته ، فيُسمَع صوت النبي إبراهيم عليه السّلام مؤذّناً في الناس بفريضة الحج :
o و أذِّنْ في النّاسِ بالحجِّ يأتوكَ رجالاً ، و على كلِّ ضامر ، يأتينَ منْ كلِّ فجٍّ عميق .
o وللهِ على الناسِ حِجُّ البيتِ مَنِ استطاعَ إليهِ سبيلاً .
إنّ الله عزّ و جلّ إله البشرية و ربّ البشرية ، و قد انبثق الناس جميعاً من يد القدرة الإلهية الخالقة العظيمة ؛ من أجل أن يبدأوا رحلة الحياة في السير نحو الله تعالى ، و في التوجّه نحو المصدر الذي انبثقوا منه ، بنمط خاصّ من التعبّد ، و طراز فريد من الطاعة والتسليم :
o و ما خلقتُ الجِنَّ والإِنسَ إلاّ ليعبدونِ * ما أُريدُ منهمْ منْ رِزق و ما أُريدُ أن يُطعمونِ * إنّ اللهَ هوَ الرزّاقُ ذُو القوّةِ المَتين .
و ها هو ذا صوت النبيّ إبراهيم ينادي بالناس كافّة بالحجّ ، فالحجّ مظهر راقٍ من مظاهر الطاعة ، والبشر ما خُلقوا إلاّ ليخطوا في طريق الطاعة .
9 ـ و آية الأذان بالحج :
o و أذِّنْ في النّاسِ بالحجِّ يأتوكَ رجالاً ، و على كلِّ ضامرٍ يأتينَ منْ كلِّ فجٍّ عميق .
تدلّ على أنّ أذان الرسول في الناس بالحج سيُقابَل بالاجابة ، و أنّ صوته الذي يجهر بالدعوة إلى قصد البيت و زيارته سيجد آذاناً صاغية و قلوباً واعية ، تتخطّى المسافات ، و تتجاوز المفاوز والعقبات والسبل البعيدة الشائكة ، لتلبّي دعوة الله التي جرت على لسان رسوله الكريم . فالقادرون من الموحّدين ـ كانوا و ما يزالون و سيظلون ـ يسمعون أذان الخليل و نداءه بالحجّ ، و يلبّون هذا النداء و يُيمّمون وجوههم شطر المسجد الحرام ، ماشين على أقدامهم ، رغم بُعد الشقة ، و رغم الفراسخ والأميال ، أو يقصدون البيت راكبين نياقاً قد أرهقها السفر ، و أضناها المسير ، حتّى وصلت إلى مكّة متعبة مكدودة مهزولة ضامرة . و جموع الحجيج هذه من القبائل والعشائر والأفراد المنقطعين تتطلّع كلّها إلى مكّة المشرّفة ، تلبّي النداء الشريف ، و تجيب بنبرة تتكسّر ، و ترقّ، و تسمو ، و تشفّ عمّا بها من تخشّع ، و هيبة ، و سكينة ، و عبودية نقية صافية :
[ لبّيكَ اللّهمّ لبّيك ، لبّيكَ لا شريكَ لَكَ لبّيك . إنّ الحمدَ والنعمةَ لكَ والمُلك . لا شريكَ لكَ لبّيك ] .
10 ـ و يشهد البيت الحرام ، و مكّة المشرّفة جموعاً بشريةً كبيرةً متلاحقة لا تنقطع ، فهي محط الرحال و موضع الآمال ، و لا تكاد تخلو كعبة الله جلّ و علا لحظة من قاصد للحجّ أو للزيارة ، بل إنّ البيت ليموج بحركة الناس وازدحامهم في الطواف حول الكعبة ، أو في تقبيل الحجر السود المبارك و في استلامه ، أو في السعي بين الصفا والمروة ، أو في غير ذلك من شعائر الحج أو العمرة . و من أجل هذه الكثافة البشرية الهائلة التي تتجمّع في أرض مكّة و من أجل هذه الحركة العبادية الدائمة ، كان لمكّة اسم آخر ، ينبثق من هذا المعنى هو «بكّة» :
o إنّ أوّلَ بيتٍ وُضعَ للنّاسِ لَلّذي بِبَكّةَ مباركاً و هدىً للعالمين .
يقول الإمام الصادق عليه السّلام و هو يفسّر لفظة «بكّة»:
[ سُمّيت بكّة ؛ لأنّ الناس يبكّون فيها، أي يزدحمون ].
و تشهد بصدق ذلك حقائق التاريخ، كما يشهد الواقع الحي الذي نعيشه كلّ عام في موسم الحجّ ومواسم الاعتمار.
11 ـ و من أجل تحقّق النقاء الكامل ، والنظافة الشاملة ، أمر الله سبحانه نبيّه بالتطهير : تطهير البيت من الأقذار الماديّة والأنجاس المعنويّة ، ليتسنّى لمواكب الحجيج التي لا تنقطع أن تتقدّم إلى بارئها بمراسم العبودية و مظاهر التوحيد والتأليه بقصد القرب منه والزُلفى لديه :
o و عَهِدْنا إلى إبراهيمَ و إسماعيلَ أن طهِّرا بيتيَ للطّائفينَ والعاكفينَ والرُّكّعِ السُّجود .
o و إذْ بوّأنا لإبراهيمَ مكانَ البيتِ أن لا تشركْ بي شيئاً ، و طَهّرْ بيتيَ للطائفينَ والقائمينَ والرُّكّعِ السُّجود .
و تطهير البيت إنّما يتحقّق بجعله بيتاً للتوحيد الصافي من لوثة الوثنية و أرجاس الجاهلية ، بأن يعلّم إبراهيم عليه السّلام الناس الطريق إلى العبودية الطاهرة ، فالعبادة فيه عبادة خالصة لوجه الله لا تشويها شائبةُ شرك أو دنس أو انحراف ، كما حدث فيما بعد أيّام الجاهلية الأولى .
و تطهير البيت كذلك تطهيره من كلّ ما لا يليق بحرمة هذا البيت الشريف و قداسته .
12 ـ بناء الكعبة ، و مظاهر العبادة الخاصّة التي تُزاوَل فيها ، والمناسك التي تأتيها الألوف بعد الألوف من الناس ، والملايين بعد الملايين ، والمعاني والأسرار المتصلة بالحج والبيت الشريف و بمكّة عامّة ، كلّ ذلك علامات دالة و إشارات معبّرة ، توصل ـ في نهاية المطاف ، أو في أوّل المطاف و نهايته ـ إلى الله جلّ و علا ، و تحكي جليل مقامه سبحانه و عظيم سلطانه ، إنّها آيات وعلامات تكون لذوي البصائر بمثابة البوّابات إلى الصراط : موقف إبراهيم عليه السّلام ، حرم آمن يأمن مَن دخله ، مناسك و عبادات على نمط فريد ، الاستمرار على مدى الليالي والأيّام ، الألوف عقب الألوف ، والملايين بعد الملايين ، ما يحسّه المرء من هيمنة روحية مدهشة . أي شيء من هذه الأمور الرائعة لا يكون علامة تدل على الله سبحانه ؟! و أي شيء من هذه المظاهر لا تذكّر بجلال الله و تفرده بالالوهيّة والربوبيّة ؟!
إنّ في البيت لآيات و علامات ، و إنّها لبيِّنات في الوقت نفسه ، توصل إلى الله من أقرب طريق صادق ، و تُفضي إلى الحقّ من أيسر وجهة صحيحة : فيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ : مَقامُ إبراهيمَ ، و مَنْ دخلهُ كان آمِناً .
* المصدر : تبيان نيت